كمال الدين دميري

310

حياة الحيوان الكبرى

وطول خرطومه ، وسعة أذنيه ، وثقل حمله ، وخفة وطئه ، فإنه ربما مر بالإنسان فلا يشعر به لحسن خطوه واستقامته . ويطول عمره ، فقد حكى أرسطو أن فيلا ظهر أن عمره أربعمائة سنة ، واعتبر ذلك بالوسم . وبينه وبين السنور عداوة طبيعية ، حتى إن الفيل يهرب منه ، كما أن السبع يهرب من الديك الأبيض ، وكما أن العقرب متى أبصرت الوزغة ماتت . وذكر القزويني أن فرج الفيلة تحت إبطها ، فإذا كان وقت الضراب ، ارتفع وبرز للفحل ، حتى يتمكن من إيتانها ، فسبحان من لا يعجزه شيء . وفي الحلية ، في ترجمة أبي عبد اللَّه القلانسي « 1 » ، أنه ركب البحر في بعض سياحاته ، فعصفت عليهم الريح ، فتضرع أهل السفينة إلى اللَّه تعالى ونذروا النذور ، إن نجاهم اللَّه تعالى ، وألحوا على أبي عبد اللَّه في النذر ، فأجرى اللَّه على لسانه أن قال : إن خلصني اللَّه تعالى مما أنا فيه ، لا آكل لحم الفيل . فانكسرت السفينة وأنجاه اللَّه تعالى وجماعة من أهلها إلى الساحل . فأقاموا به أياما من غير زاد ، فبينما هم كذلك ، إذا هم بفيل صغير فذبحوه وأكلوا لحمه ، سوى أبي عبد اللَّه ، فلم يأكل منه وفاء بالعهد الذي كان منه . قال : فلما نام القوم ، جاءت أم ذلك الفيل تتبع أثره وتشم الرائحة ، فكل من وجدت منه رائحة لحمه داسته بيديها ورجليها إلى أن تقتله . قال : فقتلت الجميع ، ثم أتت إلي فلم تجد مني رائحة اللحم ، فأشارت إلي أن أركبها ، فركبتها فسارت بي سيرا شديدا الليل كله ، ثم أصبحت في أرض ذات حرث وزرع ، فأشارت إلى أن أنزل ، فنزلت عن ظهرها فحملني أولئك القوم إلى ملكهم ، فسألني ترجمانه ، فأخبرته بالقصة . فقال لي : إن الفيلة قد سارت بك في هذه الليلة مسيرة ثمانية أيام . قال : فلبثت عندهم إلى أن حملت ورجعت إلى أهلي . وفي كتاب الفرج بعد الشدة للقاضي التنوخي ، قال : حدثني الأصبهاني من حفظه ، قال : قرأت في بعض أخبار الأوائل ، أن الإسكندر لما انتهى إلى الصين ونازلها ، أتاه حاجبه ذات ليلة وقد مضى من الليل شطره ، فقال له : إن رسول ملك الصين بالباب ، يستأذن بالدخول عليك ، فقال : ائذن له ، فلما دخل وقف بين يديه وقبل الأرض ثم قال : إن رأى الملك أن يخليني فليفعل ، فأمر الإسكندر من بحضرته بالانصراف ، فانصرفوا ولم يبق سوى حاجبه ، فقال له الرسول : إن الذي جئت له ، لا يحتمل أن يسمعه غير الملك ، فأمر الإسكندر بتفتيشه ، ففتش فلم يوجد معه شيء من السلاح ، فوضع الإسكندر بين يديه سيفا مصلتا ، وقال له : قف مكانك . وقل ما شئت ، وأمر حاجبه بالانصراف ، فلما خلا المكان قال له الرسول : اعلم أني أنا ملك الصين لا رسول له ، وقد حضرت بين يديك ، لأسألك عما تريد مني ، فإن كان مما يمكن الانقياد له ، ولو على أصعب الوجوه ، أجبت إليه واغتنيت أنا وأنت عن الحرب . فقال له الإسكندر : وما آمنك مني ؟ قال : لعلمي بأنك رجل عاقل ، وأنه ليس بيننا عداوة متقدمة ، ولا مطالبة بدخل ، ولعلمي أيضا أنك تعلم أن أهل الصين ، متى قتلتني لا يسلمون إليك ملكهم ، ولا يمنعهم عدمهم إياي أن ينصبوا لأنفسهم ملكا غيري ، ثم تنسب أنت إلى غير الجميل وضد الحزم . فأطرق الإسكندر

--> « 1 » القلانسي : محمد بن الحسين بن بندار مقرىء عراقي ، مات سنة 521 ه .